Saturday, October 21, 2006

التأمين الصحي السويسري.. غلاء غير مبرر


التأمين الصحي السويسري.. غلاء غير مبررأضف هذا الموضوع إلى قائمة المواضيع المختارة في My swissinfo

لا يختلف إثنان على جودة الرعاية الصحية في سويسرا، كما يتفقان على غلوها الكبير

لا يختلف إثنان على جودة الرعاية الصحية في سويسرا، كما يتفقان على غلوها الكبير

لصادرة عن كل من منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية ومنظمة الصحة العالمية، التي قارنت بين تكاليف الرعاية الصحية بين مجموعة من الدول.

الدراسة التي تم الإعلان عن نتائجها في 19 أكتوبر، اتهمت سويسرا بالمغالاة في تكاليف العلاج الصحي مقارنة مع بقية الدول الأوروبية، مع عدم الإهتمام بسبل الوقاية.

منذ تسريب الجزء الخاص بسويسرا من تلك الدراسة قبل يومين من الإعلان عنها، والرأي العام في الكنفدرالية يتناقل أهم ما جاء فيها من أن "تكاليف العلاج والرعاية الصحية في البلاد غالية للغاية"، ففي حين رأت الأغلبية أن هذه النتجية تأتي تأييدا لما يشكون منه منذ فترة طويلة، تميز رد أصحاب الشأن من شركات التأمين الصحي بنوع من اللامبالاة.

وقد اعترف توماس تسلتنر، مدير المكتب الفدرالي للصحة، بهذه الحقيقة في مؤتمر صحفي بالعاصمة برن في 19 أكتوبر الجاري، استعرض فيه نتائج الدراسة مع مدير المكتب الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية ومدير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية.

وقال تسلتنر إن السويسريين يدفعون ثمنا باهظا للحصول على الحالة الصحية الجيدة، والشعور بالرضا الكامل من العلاج، والوصول إلى أفضل الخدمات الطبية.

هذا الثمن الباهظ رصدته الدراسة من خلال تحديد نسبة رسوم التأمين الصحي والخدمات الطبية إلى الناتج القومي الخام، فكانت في سويسرا 11.5%، في حين أن متوسط ما تنفقه الدول الأوروبية لا يتجاوز 8.8%، بينما تتربع الولايات المتحدة على رأس القائمة بما لا يقل عن 15%، وفي داخل الإتحاد الأوروبي نفسه تفاوتت النسبة بين 11٫1% في ألمانيا و 6٫6% في اللوكسمبورغ.

الفدرالية عائقا

تقول الدراسة "إن هناك دولا تقدم نفس مستوى الخدمات الصحية السويسرية وفي بعض الحالات أفضل منها، وفي نفس الوقت فهي أرخص بكثير"، ولم تكتف بتقديم الإنتقادات بل وضعت مجموعة من التوصيات لإصلاح هذا الوضع؛ من بينها عدم تحديد تعريفة الإقامة في المستشفيات على أساس يومي، بل تحديدها بشكل عام طبقا لنوعية المرض، والاحتمال التقديري للمدة التي يمكن أن يمضيها المريض حتى يتماثل للشفاء، وتقديم حوافز مالية للمرضى الذين يتوخون الحرص قبل الذهاب مباشرة إلى الأطباء الاختصاصيين، ويحرصون على متابعة الطبيب الخاص، أو اللجوء إلى العيادات المشتركة التي تجمع بين أكثر من طبيب من مجالات مختلفة.

وقد أكد مدير المكتب الفدرالي للصحة أن هناك بالفعل دراسات للتعرف على إمكانية تطبيق تلك التوصيات على أرض الواقع، لكن المشكلة تبقى دائما أن سويسرا لا تعرف نظاما فدراليا موحدا للتأمين الصحي بل 26 نظاما، حيث ينفرد كل كانتون بنظام خاص به، وهو ما يرى فيه تسلتنر "تعددية ايجابية".

كما أشار مدير المكتب الفدرالي للصحة في المؤتمر الصحفي إلى أن تحسين آليات تمويل النظام الصحي في سويسرا هي ضمن بعض المقترحات المعروضة حاليا للتطوير، مع بعض الأفكار الأخرى مثل التشجيع على عدم التدخين وتقديم امتيازات مالية لمن يتوقف عنه أو من غير المدخنين أصلا، إلى جانب إستفادة المواطنين من التنافس بين الشركات في الحصول على عروض أفضل، أوعلى علاقة مناسبة بين الخدمات وما يدفعونه من رسوم.

ويعترف المسؤول الفدرالي عن ملف التأمين الصحي بأن سويسرا لا تقف في مستوى جيد في مجال الوقاية الصحية، بل يذهب إلى القول بأنها لا تختلف عن أي من البلدان النامية في هذا المجال، في حين أن القوانين التي من شأنها تصحيح هذا الحال معروضة أمام وزير الشؤون الداخلية باسكال كوشبان انتظارا لقراره الأخير، فما تنفقه سويسرا حاليا في هذا المجال لا يتجاوز 2٫2% من الناتج القومي الخام سنويا، في حين أن متوسط ما تنفقه دول الإتحاد الأوروبي يصل إلى 2.7%.

وعلى الرغم من الإشادة بالكفاءة السويسرية في مجالات العناية الطبية، إلا أن مدير المكتب الفدرالي للشؤون الصحية يطالب بضرورة تحسين مستوى الخدمات للمرضى، انطلاقا من المزيد من الشفافية في التعامل، الذي سيكون سهلا بعد اعتماد تعديلات لقوانين تسمح للمسؤولين الفدراليين بالإطلاع على الإحصائيات التي يحتفظ بها كبار الأطباء وشركات التأمين حول تطورات الحالات المرضية، أو نسب المخاطر التي يتعرض لها المصابون بأمراض مزمنة أو معدية.

الخبراء متشائمون

الخبراء من ناحيتهم تباينت تعليقاتهم على ما ورد في التقرير. ففي حوار مع سويس انفو، أعرب خافيير كومتيس من منظمة "مستقبل سويسرا" عن تشاؤمه من الوضع، لأن ارتفاع نسبة كبار السن في المجتمع تتطلب رعاية صحية دائمة ومتخصصة في أكثر من مجال، بينما في الوقت نفسه تتراجع الأيادي العاملة التي يمكنها القيام بتلك المهام، فتكون النتيجة إرتفاع أسعار الخدمات الصحية، التي يعتقد أنها ستصبح أغلى بكثير جدا خلال 20 سنة مقبلة، ورغم هذه الزيادة المتوقعة فإنه لا يتوقع أن يعترض عليها المواطنون، فهم على أتم إستعداد لدفع أية مبالغ، في مقابل الحصول على خدمات طبية متميزة، ويستدل على ذلك بعدم وجود أية مطالب أو تحركات شعبية تنادي بتخفيض رسوم التأمين الصحي.


أما ساندرو كاتاسان، استاذ علم الإجتماع في المعهد العالي للإدارة العمومية التابع لجامعة لوزان، فيرى بأنه "لا يوجد تناقض بين ما يدفعه السويسريون من رسوم، وما يحصلون عليه من خدمات طبية كثيرة وذات مستوى جيد"، حسب قوله. ونظرا لأن استلام الكانتونات لملف التأمين الصحي هو أحد الأسباب التي يرى البعض أنها السبب في ارتفاع الرسوم بهذا الشكل، فإن بعض المحاولات قد بدأت بالفعل لكسر تلك الحدود الروتينية، من بينها تعاون متبادل بين مستشفيات بازل وبرن في مجال العمليات الجراحية في القلب، من خلال انشاء وحدة مركزية مشتركة منذ مايو 2006، وتعاون مشابه في مجال زراعة الأعضاء بين جنيف ولوزان، حيث تتولى الأولى عمليات زراعة الكبد في مقابل نقل عمليات زرع القلب إلى الثانية. ورغم بوادر التعاون تلك، إلا أن كورنيليا أورتلي نائبة الأمين العام لمؤتمر مدراء الكانتونات للشؤون الصحية ترى أن هناك بعض الصعوبات، لان جميع الكانتونات غير مستعدة للتعاون الكامل بهذا الشكل مثلما هو الحال مع زيورخ، بينما يعتقد ساندرو كاتسان بأن التعاون أفضل من التنافس، ويؤكد على أن أفضل الحلول الممكنة الآن تتمثل في تحسين إدارة وتنظيم القطاع الصحي في سويسرا بدلا من البحث عن كيفية تخفيض النفقات.

أسعار الأدوية .. مشكلة أخرى

ومما لاشك فيه أن ارتفاع أسعار الأدوية يبقى دائما من العوامل الأخرى التي تلعب دورا في تكاليف العلاج الباهظة، إذ يزيد سعر الدواء في سويسرا بنسبة 25% عما هو عليه الحال في دول الجوار، وتقول بعض الدراسات إن تخفيض أسعار الأدوية إلى المستوى الأوروبي والإستعانة بالأدوية البديلة يمكن أن يوفر سنويا ما لا يقل عن مليار فرنك، وهو الرقم الذي تتشكك فيه شركات صناعة الأدوية.

وكانت الحكومة الفدرالية قد توصلت في فبراير 2006 إلى اتفاق مع شركات الأدوية يقضي بأن تقر الأخيرة تخفيضا على اسعار الأدوية يمكن من خلاله توفير 250 مليون فرنك سنويا، إلا أنه هذا المبلغ يبقى ضئيلا مقارنة مع المليارات الخمسة من الفرنكات التي يدفعها السويسريون سنويا ثمنا للأدوية.

ويعتقد البروفيسور كاتاسان بأنه يجب على الحكومة الفدرالية ممارسة المزيد من الضغوط على شركات الأدوية لتخفيض أسعارها، وحث الأطباء والمستشفيات في الوقت نفسه على الإعتماد أكثر فأكثر على الأدوية البديلة في علاج المرضى، لكن العقبة التي تقف حجر عثرة بوجه هذه الفكرة، تتمثل في أن سويسرا تضم عمالقة شركات صناعة الدواء في العالم، التي لها بالتأكيد جماعات الضغط التي تراعي مصالحها.

لقد أكد التقرير الأخير حقيقة يعرفها الجميع، وقد تعمل النتائج التي توصل إليها بالفعل على تسريع مسار المناقشات والحوارات الدائرة حول تطوير وتعديل نظام التأمين الصحي، لاسيما بعد أن اتضح بالأرقام والأمثلة أن سويسرا أغلى من غيرها بدون وجه حق.

سويس اتفو مع الوكالات

No comments: